رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
كل النجوم صوت وصورة
رئيس التحرير التنفيذي
إلهامي سمير
facebook twitter youtube instagram tiktok

خواطر مجزية .. أزمة الصناعة ... حين اعتبرنا الفن «شغلانة» أفسدناه

مجدي الهواري
مجدي الهواري

في كل مكتب وقعدة بين الزملاء، يتكرر الكلام عن أزمة الصناعة، أسمع من يتساءل هل السبب أجور النجوم؟ أم الكرفانات والسيارات؟ أم كثرة المساعدين؟ هل التصوير في مواقع بعيدة مكلف أكثر من اللازم؟ وهل الفروق في الأجور عادلة؟ هذه أسئلة حقيقية، وتفاصيل تستحق مراجعة دقيقة. 

لكني كلما تابعت النقاش، وجدت أننا نختلف حول كلفة الأزمة ومظاهرها، بينما نبتعد عن السؤال الأهم كيف وصلنا إلى أن نختزل الفن في شغلانة نأخذ منها قرشين، من غير ما نسأل عن رسالة العمل، أو مسؤوليته أو قيمته؟

أقول هذا وأنا لا أرى تعارضًا بين الفن والربح، أنا أريد أن أقدم فنا جيدًا وأكسب منه، وأرى أن هذا حق طبيعي وشرط لاستمرار أي صناعة الاحتراف الحقيقي هو أن نجمع الاثنين: عائدًا معقولاً يضمن استمرار الإنتاج، وعملا فنيا له قيمة ويحترم عقل الجمهور.

فن لا يستطيع جذب جمهور أو استعادة تكلفته لا يبني صناعة مستدامة، وربح يتحقق من عمل بلا قيمة فنية ليس وحده نجاحا نفخر به، إذا غاب أحد طرفي المعادلة اختل النجاح المطلوب أن يقدما معا.

المشكلة إذن ليست في أن نحسب التكلفة، ولا في أن يبحث المنتج عن الربح، المشكلة حين يصبح الربح وحده هو المعيار، أو حين نتعامل مع رسالة الفن كأنها رفاهية يمكن الاستغناء عنها، وقتها تتحول كل عناصر العمل إلى أرقام، اسم يبيع، يوم تصوير يجب أن ينتهي بأي طريقة، وصفحات تسلّم على عجل، ومشهد يقطع لإعلان. 

وبعدها نسأل: لماذا لا يخرج عمل يترك أثرًا عند الناس؟

لنرجع إلى أمثلة نسمع عنها في نقاشاتنا، دخلت شركات إنتاج في منافسة على النجوم، وارتفعت العروض لأن كل جهة أرادت أن تسبق الأخرى بالتعاقد، دفعنا أكثر فأكثر مقابل الاسم، وأحيانًا قبل أن نسأل بما يكفي عن النص، وعن حجم الدور، وعن قدرة المشروع على استعادة ما أنفق عليه.

النجم عنصر مهم وله قيمة، لكن العمل ليس اسما وحده هو ورق وشخصيات ومخرج وفريق وتحضير وتسويق وتوزيع، إذا استهلك الأجر الجزء الأكبر من الميزانية، ثم لم يبق ما يكفي لبناء العمل أو تسويقه، فهل ربحنا فعلا؟

وفي المقابل، علينا أن نسأل بوضوح: هل أغلب النجوم مستعدون لأن يستثمروا جزءًا من أموالهم أو يقبلوا بأجر مقدم أقل، مقابل مشاركة واضحة وعادلة في عائد مشروع يؤمنون به؟ لا أقول إن على الفنان أن يعمل بلا أجر أو يتحمل وحده مخاطر الإنتاج، لكن لماذا لا ندرس نماذج شراكة تربط بعض المكسب بنجاح العمل، بعقود شفافة تحفظ الحقوق؟ في رأيي الاستعداد لذلك ما زال محدوداً، مع أن هذه المرونة قد تساعد على تمويل عمل أفضل وتوزيع المخاطر بين شركائه.

ونسمع أيضًا عن فنان يوقع عقدًا ثم يترك المشروع حين يأتيه عرض أكبر، أو لاعتراضه عن تغيير في النص والرؤية بعد اكتمال الاتفاق، أو عن طلبات تخص الملابس والمواقع والمشاهد وطريقة التصوير يوافق عليها المنتج خوفاً من خسارة الاسم، وقد يكون للفنان رأي مهم يطور العمل، لكن الرأي الفني شيء وفرض القرار خارج الاتفاق شيء آخر، إذا كان النجم شريكا في القرار، فليكن شريكا في المسؤولية أيضًا، وإذا كانت له حقوق، فعليه التزامات واضحة العقد ليس ورقة شكلية، والالتزام به يحمي العمل وكل من يرتبط به.

والخلل لا يقف عند النجم أو المنتج، حين يقبل مخرج أن يعمل على أكثر من مشروع في الوقت نفسه من غير وقت كاف للتحضير، قد يدفع كل مشروع ثمنا من تركيزه. 

وحين يبدأ تصوير مسلسل قبل اكتمال الكتابة والرؤية، وتكتب الحلقات تحت ضغط الوقت تتأثر الشخصيات والبناء والإيقاع، وحين يطلب من الكاتب أن يبني عالما متماسكا في أسابيع، أو من المخرج أن يصور وينتج من دون أن يمنح كل مرحلة حقها ، ثم نختصر التأخير أو ضعف التحضير في غلاء يوم التصوير، نكون قد أخطأنا تشخيص المشكلة، أحيانًا يكون التحضير الجيد أوفر من يوم تصوير مرتبك وإعادة مشاهد لم تكن جاهزة.

وهناك منتجون يتدخلون في تفاصيل فنية لا يملكون خبرة كافية فيها، فيفرضون حلا لمجرد أنهم يدفعون المال للمنتج دور أساسي في حماية الميزانية وإدارة المشروع، لكن هذا لا يعني أن المال وحده يمنحه الإجابة الفنية، وفي المقابل، على الكاتب والمخرج وبقية الصناع أن يقدموا رؤية قابلة للتنفيذ، وأن يحترموا الميزانية والوقت. المنتج لا يصنع فيلمًا أو مسلسلاً وحده، ولا الكاتب أو المخرج أو النجم وحده الصناعة شراكة، وكل طرف مسؤول عن الجزء الذي يعرفه ويتعهد به.

ثم هناك أمثلة أخرى نعرفها : مشهد يُقطع في منتصفه كي يبدأ فاصل إعلاني، أو حلقات تُبنى على أماكن الإعلان بدل منطق الحكاية، أو ضغط شديد التسليم العمل في موسم محدد مهما كانت الكتابة والتحضيرات، وهناك مبدعون يتجهون إلى محتوى سريع على وسائل التواصل لأنه يحقق مشاهدات أو عائدًا أسرع، لا عيب في مصدر رزق جديد أو في أدوات مختلفة، لكن المشكلة حين يصبح العائد اللحظي هو المقياس الوحيد، ويُهمل العمل الذي يحتاج وقتاً وبحثًا وبناءً، هنا لا نخسر عملا واحدا فقط نخاطر بأن نفقد الخبرة والوقت اللازمين لصناعة فن يبقى.

وبعد كل هذه القرارات، نصل إلى السيارة والكرفان وعدد المساعدين، هل يحتاج مدير التصوير إلى وسيلة نقل؟ غالبا نعم، بحسب ظروف العمل، هل يحتاج الفنان إلى كرفان؟ أحيانا يكون ذلك ضرورة مهنية وإنسانية، هل من الطبيعي أن يكون للنجم فريق كبير ؟ يعتمد على حجم العمل وما يحتاجه فعلا، المسألة ليست في وجود هذه المتطلبات، ولا في شيطنتها المسألة أن تكون هناك معايير واضحة تفرق بين الاحتياج الحقيقي والمبالغة، لو لم نضع المعايير، تحولت كل حاجة إلى حق مطلق أو تهمة مطلقة، وبدل ما نحافظ على الربح وقيمة الفن، نستهلك وقتنا في جدال حول القشور.

ولا يصح أن نحل الأزمة بالضغط على أضعف الأطراف أو مطالبة العاملين بقبول أجور غير عادلة مراجعة التكلفة يجب أن تشمل كل البنود، وأن تكون الأجور والالتزامات متناسبة مع حجم العمل ومسؤولياته، مع حماية حقوق العاملين ومواعيد الدفع المرونة المطلوبة ليست استغلالا، والتنازل المقبول لا يعني أن يعمل أحد بلا مقابل هي مراجعة صريحة لما يحتاجه العمل فعلا، واستعداد من كل صاحب مصلحة أن يعيد النظر في شروطه، لا أن يطلب من الآخرين وحدهم أن يتحملوا الخسارة.

وهنا أعود للسؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا على نفسه هل النجوم مستعدون للمشاركة في المخاطرة كما يشاركون في العائد؟ هل المنتج مستعد أن يضع ميزانية واقعية ويستثمر في النص والتحضير بدل أن يراهن على الاسم وحده؟ هل المخرج والكاتب ومدير التصوير وغيرهم من الصناع مستعدون المرونة محسوبة في الأجر والجدول، إذا كانت تضمن استمرار عمل قوي وتحفظ حقوقهم؟ وهل المنصات والقنوات مستعدة أن تحترم إيقاع الحكاية ووقت تطويرها؟ في رأيي الإجابة الصريحة أن هذا الاستعداد حتى الآن ليس كافيًا، ولا أقولها لإدانة طرف بعينه أقولها لأننا لو كنا نتحرك جميعًا وفق هذه المعادلة، لما اختزل النقاش في عدد السيارات والكرفانات وحدها.

أنا أيضًا واحد من أهل الصناعة، ولا أكتب لألقي اللوم على غيري، كلنا مسؤولون بدرجات مختلفة بالصمت عن الخلل، أو بالموافقة على ما نعرف أنه يضر العمل، أو بتقديم مصلحتنا العاجلة على مصلحة المشروع. المنتج مسؤول عن الإدارة والميزانية، والنجم مسؤول عن التزامه واحترام فريقه، والكاتب مسؤول عن جاهزية النص، والمخرج عن التحضير وقيادة الرؤية، وكل صاحب قرار مسؤول عن حدود تدخله والاعتراف بهذه المسؤولية ليس هجومًا على أحد هو بداية عملية للإصلاح.
الإصلاح يبدأ بقواعد عملية تطوير النص قبل التصوير، ووقت تحضير يناسب حجم العمل، وعقود تضمن الالتزام والحقوق، وميزانية واضحة لا تُبنى على مزايدات، ومعايير معلنة لمتطلبات التصوير، وشراكات عادلة توزع العائد والمخاطرة، ومساحة فنية تحمي الحكاية من القرارات التي تكسرها، كما يبدأ باحترام التخصص فليس كل من يملك المال منتجا بالخبرة، وليس كل نجم مطالبا بأن يكون مخرجًا أو كاتبا ، وليس كل صاحب موهبة ينجح من دون تعلم وتدرج الباب يجب أن يظل مفتوحا للجديد، لكن مع احترام المعرفة والخبرة ودور كل شخص.

السؤال الآن ليس فقط من رفع الأجر؟ أو من طلب سيارة؟ السؤال هل نستطيع أن ندير صناعة تنتج فنا يستحق، وتحقق في الوقت نفسه عائدًا يسمح لها بالاستمرار؟ هذه ليست معادلة مستحيلة، ولا عيبا أن نربح من الفن العيب أن نطلب الربح من دون أن نصنع عملاً يستحق، أو أن نقدم عملاً لا يمكن أن يستمر اقتصاديًا ثم نعتبر الخسارة فضيلة الربح والرسالة ليسا خصمين الاحتراف هو أن نعرف كيف نحقق الاثنين.

أنا لا أرى أن الصناعة انتهت لكن استمرارها بالشكل الحالي خطر. ولا يكفي أن نحزن عليها أو نتبادل الاتهامات علينا أن نعود إلى أصول الفن فكرة تستحق، وورق مكتمل، وتحضير مسؤول، وإدارة تعرف كيف توازن بين التكلفة والقيمة، واتفاق منصف يجعل كل طرف راغبا في نجاح العمل، عندما نعتبر الفن مجرد شغلانة، نأخذ منها قرشين، من غير رسالة ولا مسؤولية ولا إدراك لقيمته نكون قد أفسدناه فعلا. أما إذا تعاملنا معه كفن وصناعة في الوقت نفسه، نقدر أن نقدم عملاً جيدًا ونكسب منه، وهذه هي المعادلة التي تستحق أن ندافع عنها.

 الجودة ثم الجودة ثم جودة العمل هي حل الأزمة وهي سر حب هذة المهنة ويجب أن ندافع عنها ويجب ان نستقتل علي تحقيقها، وتستاهل الحقيقة لأنه من اعظم المهن لو تأملنا في رسالتها وتأثرها.

 والله علي ما أقول شهيد.

تم نسخ الرابط