إلهامي سمير يكتب عن: الفن الحلو والفن الوحش
بعد تصريحات المخرجة كاملة أبو ذكري حول مسلسلات وأفلام السفاحـ ين وجـ رائم القـ تل.. عاد السؤال القديم إلى الواجهة: هل مشاهدة «الفن الوحش» اللي كله دم وقـ تل كافية لدفع الجمهور إلى ارتكاب جـ ريمة في الواقع؟!
إذا كانت المسألة بهذه البساطة.. فنحن أمام مشكلة أكبر بكثير من مجرد مسلسل أو فيلم!
لقد شاهدنا «ريا وسكينة» في المسرح والسينما والتليفزيون، وتناولت أعمال فنية عديدة قصتهما بأشكال مختلفة، فهل قدم المجتمع بعدها أجيال جديدة من ريا وسكينة؟ بالطبع لا، بل إن المسرحية الشهيرة جعلت قطاعًا من الجمهور يتعاطف مع الشخصيتين ويتعامل معهما باعتبارهما شخصيات درامية لها ظروف ودوافع، وليس باعتبارهما نموذجًا يُحتذى به.
ثم إذا كان الجمهور يقلد بالفعل كل ما يشاهده، فلماذا يقلد الجانب السيئ فقط؟! ليه محدش بيقلد «الفن الحلو»؟!
لماذا لا نقلد البطل الذي ينقذ الآخرين؟، لماذا لا نتأثر بالشخصية التي تضحي من أجل غيرها؟، ولماذا لا نقلد الشخصيات التي تقدم نماذج للعلم والعمل والاجتهاد والنجاح؟، ولا إحنا في الشر مدعيين.. وفي الحلو منسيين؟!
ولنعد إلى «مدرسة المشاغبين»، المسرحية المتهمة حتى اليوم بأنها أفسدت أجيالًا كاملة وجعلت الطلاب يقلدون سلوك المشاغبين داخل المدارس.
وهنا أسأل.. إذا كانت الدراما تملك كل هذه القدرة السحرية على التأثير في الجمهور، فلماذا لم تفعل الأعمال التي قدمت نماذج إيجابية للتعليم الأمر نفسه؟، ولماذا لم نشاهد ملايين الطلاب يقررون فجأة أن يصبحوا متفوقين ومجتهدين لمجرد أنهم شاهدوا نموذجا جيدا على الشاشة؟!
الحقيقة أن الإنسان ليس روبوتًا.. يرى مشهدًا فينفذه في اليوم التالي! ده حتى الروبوتات بقت بتتمرد دلوقتي وتطلع عين اللي عملوها!
نعم يا سادة.. يمكن للأعمال الفنية أن تؤثر في الجمهور، ويمكن أن تطرح أفكارًا معينة أو تجعل بعض السلوكيات أكثر حضورًا أو تثير نقاشًا حولها، وهذا أمر يستحق الدراسة والنقد، لكن اختزال العلاقة بين المشاهدة والسلوك في معادلة بسيطة من نوع: «شاهد سفاحًا.. تصبح سفاحًا» يحتاج إلى قدر أكبر من التروي.
فهناك فارق كبير بين أن يقدم العمل الفني جريمة أو شخصية إجرامية، وبين أن يبرر الجريمة أو يمجدها أو يحول مرتكبها إلى بطل.
كما أن الجمهور ليس كتلة واحدة تتفاعل بالطريقة نفسها مع العمل الفني، فهناك من يشاهد لمعرفة القصة، ومن يشاهد لتحليل الشخصيات، ومن يبحث عن الإثارة، وهناك من قد يتعاطف مع الشخصية من الناحية الإنسانية دون أن يوافق إطلاقًا على أفعالها.
ولو أردنا مناقشة تأثير الفن بشكل جاد، فربما يكون السؤال الأهم: هل المشكلة في أن نشاهد الشر على الشاشة؟.. أم في الطريقة التي يقدم بها هذا الشر؟.. وهل الحل هو منع الحكايات التي تتناول الجرائم؟.. أم أن الأهم هو أن نعرف كيف نحكي هذه القصص دون أن نحول المجرم إلى أيقونة؟





