من ليزي بوردن إلى بني مزار.. كيف تفوقت الحكاية المصرية على العمل العالمي؟
مقال رأي
صادف أن شاهدت حكاية ما لم يحك عن بني مزار، بالتزامن مع متابعتي لقصة ليزي بوردن من سلسلة Monsters التي تتناول قضايا حقيقية.
وبعيدا عن أي مقارنة بين القصتين، لأنهما مختلفتان تماما في المضمون والتفاصيل، وجدت نفسي أقارن بين تجربتي مشاهدة لحكايتين أعرف تفاصيلهما مسبقا، وهنا فاجأتني حكاية بني مزار، ليس لأنها قدمت لي معلومات جديدة، وإنما لأنها جعلتني أشاهد ما أعرفه بشغف من يعرف الحكاية للمرة الأولى.
أنهيت العمل دفعة واحدة، من دون أن أشعر بالملل أو أرغب في الابتعاد عنه، بينما كانت هناك لحظات خلال مشاهدة حكاية ليزي بوردن شعرت فيها أنني بحاجة إلى التوقف، وهو ما جعلني أؤمن من جديد بأن التشويق لا تصنعه المفاجأة وحدها، وإنما تصنعه طريقة السرد وقدرة العمل على إبقاء عين المشاهد معلقة بالخيط التالي.
تفوق حكاية بني مزار
السر وراء تفوق حكاية بني مزار أكبر من التشويق، فالعمل بالنسبة لي بدا كنسخة متكاملة من حكاية صُنعت بعناية شديدة، الصورة تحمل روح الزمن، والموسيقى التصويرية تضيف طبقة أخرى من الإحساس، والسرد يربط الأحداث ببساطة شديدة بأسلوب السهل الممتنع، وكل تفصيلة تبدو في مكانها، حتى اختيار الممثلين، من الأبطال إلى أصحاب الظهور القصير، والمجاميع التي تحركت بعفوية جعلتني أنسى أنني أمام ممثلين يعيدون بناء عام 2005، وشعرت للحظات أنني عدت إليه فعلا.
نجوم العمل
وهنا لا يمكن أن يمر الحديث عن العمل من دون التوقف أمام ممثليه، بداية من أحمد عبدالوهاب الذي أثبت بأدائه أنه ممثل متلون لا يمكن وضعه في خانة واحدة، فقد قدم الكوميدي والرومانسي وبرع فيهما، وهنا قدم الدراما بالبراعة نفسها، ليؤكد أن موهبته أكبر من أي تصنيف.
ميشيل ميلاد
أما ميشيل ميلاد، فكان مفاجأة حقيقية بالنسبة لي، أداءه أصابني بحالة من الذهول، وجعلني أتعاطف معه إلى درجة الدموع، وهو النوع من الأداء الذي لا يطلب منك التعاطف، بل ينتزعه منك بهدوء.
عارفة عبدالرسول كعادتها، جعلتني أشعر أن الدور كُتب لها منذ البداية، لا أنها جاءت لتؤديه فقط، بينما قدمت صفاء الطوخي وعزت زين أمام بعضهما البعض مشهدا أيقونيا يشبه مباراة تمثيلية، كل منهما يترك للآخر مساحة ليتألق ثم يعود ليثبت حضوره من جديد.
حتى الظهور الخاطف لخالد الصاوي ومجدي بدر ومحمد عبده، لم يبد عابرا، فكل منهم ترك بصمته الخاصة، ليؤكد العمل أن قيمة الممثل لا تقاس بعدد مشاهده، وإنما بما يتركه خلفه.
صناع الحكاية
وتكتمل هذه الصورة مع المخرج أحمد نادر جلال، الذي كانت رؤيته واضحة منذ المشهد الأول، ومع سيناريو هاني سرحان المكتوب بإتقان، والذي نجح في سرد القضية بكل تفاصيلها وما تخفيه بين السطور من دون أن يفقد الحكاية انسيابها، لكن مجدي الهواري تحديدا يستحق التوقف عنده، لأنه لم يصنع مجرد مسلسل عن قضية شهيرة، بل صنع تجربة كاملة، أعاد من خلالها اكتشاف نجوم، وجمع عناصر العمل في نسيج واحد، حتى أصبح أثره واضحا في الصورة والموسيقى والسرد والاختيارات التمثيلية، وأثبت أن لديه فورمات خاصة يستطيع من خلالها أن يحول الحكاية إلى تجربة تمسك بالمشاهد حتى آخر مشهد.
النهاية
في النهاية، ربما لم يستطع المسلسل أن يجزم بمن هو الجاني، لأننا أمام قصة حقيقية لا تسمح للدراما بأن تدعي امتلاك الحقيقة كاملة، لكنه نجح في الوصول إلى ما هو أبعد من سؤال من فعلها، ووضع يده على جوهر أزمة بني مزار، حين صنعت الخرافات جزءا من صورة الجريمة، وحين أضاع الجهل طريق الحقيقة، فبقيت حقوق الضحايا عالقة بين ما حكي وما لم يحك عن بني مزار.





